Artikel, Tutorial, Tips dan Trik

الحب المكتوم

0

الحب المكتوم

بقلم: مُهَيْبَان

 

        هي طالبة مجتهدة. تتعلم بمعهد إسلامي مشهور بمدينة صغيرة لا تبعد عن جوكجاكرتا. اسمها زلفى. إنه اسم قصير جميل يناسب تماما بشخصيتها البسيطة. حيث أنها مثال لطالبات المعهد في البساطة. أزيّائها المدرسية وزينتها اليومية تنبئ عن ذلك واضحا. إن دنياها بعيدة عن مظاهر الفخر والثراء والرياء. لا تعرف كلمة التصنّع والتكلّف في معاشرتها. فحياتها بسيطة كل البساطة.  

        ولكن هذه البساطة لا تكون في جمالها. إذ أنها ـ عند نظري ـ من نوع الفتاة التي يحلم بها كلُّ رجل عاقل في هذا الوجود. هي بشاشة الوجه. لها قوام أشبه ما يكون بمعبودة من الفتيات لرجال اليوم. وشعرها الأسود اللامع يتهدّل في إهمال على كتفيها متى خلعت خمارها الأبيض الذي تلبسه يوميا. إلا أن جمال شعرها وفتنة قوامها هذه لا تعد شيئا بالنسبة إلى سخر عينيها. نعم، إن في عينيها شيئا يقترب من السحر. ولم يكن ذلك في أهدابها المقوسة، كلا! فعيناها إذا أغمضتهما لا تختلفان عن أعين الكثيرات من النساء. إنما السحر كل السحر يكون في نظراتها. حتى لا تسأم عين الرجل في إمعان النظر فيهما.

        وقد قدّر الله عليها ـ والله على كل شيء قدير ـ أن كلّ هذا الجمال لا يجعلها تتكاسل في الدروس. فهي لا تنتهز أوفر فرصها للجلوس متطاولة أمام المرآة كما فعلت ذلك كثيرة من فتيات اليوم. إنها في صف واحد مع المجتهدات.

        هناك عوامل كثيرة دفعتها إلى هذا الاجتهاد. كانت سيرة حياتها تقودها إلى هذا المعهد من قرية صغيرة قريبة من جبل مرابى ومعها آمال مقدسة تملأ ذهنها. أملت زلفى وهى تدوس برجليها على أرض المعهد لأول وهلة أن تكون هي في المستقبل مدرّسة ذات كفاءة في اللغة العربية. هذا من أهم العوامل التي تجعلها دائما تخطو إلى الأمام في جميع نشاطات المعهد ولا سيما فيما ارتبط باللغة العربية.

        ورغبتها في هذه اللغة القرآنية تسوقها إلى معاشرة فسيحة وعلاقة متينة بجميع مدرّسي اللغة العربية بمعهدها. إذ أنها متى صادفتها مسألة أو فاجأتها صعوبة في اللغة العربية جاءت تشكوها إلى مدرّسيها دون حياء. تشكوها شكوى الابنة إلى أمها أو أبيها أو الزميلة لزميلها.

        هذا، إلى أن جاء يوم شعرت فيه زلفى أن الأستاذ مَجْدي ـ مدرسها في الإنشاء ـ أقرب الأساتذة إليها علاقة. ومشاعرها تقول إنها أقرب إليه بالنسبة إلى المدرّسين الآخرين. وذلك من كثرة اللقاء بينهما إمّا في الفصل وإمّا خارجه، ومن كثرة الشكاوى الدراسية وغير الدراسية التي قدّمتها إليه.

        وإنه ليس من إرادة نفسها أن تلد هذه المشاعر الغريبة نقطةً مقدسة بيضاء في زوايا قلبها بعد فترة من الزمن. نقطة قيل إن فيها الرخاء والبلاء، وفيها الضحك والبكاء، وفيها الداء والدواء. نقطة لم تذقها زلفى طول حياتها إلا في هذا المعهد الهادئ وهى في الثامن عشر من عمرها. هل عرفتم أيها القرّاء الأعزاء أي نوع من النقطة هذه؟ ألا، إنها هي بذور الحب العذري الذي بثّتها يد الخالق في صفحة القلب الضعيف، قلب زلفى. نَمَت هذه البذور من الحب وتطوّرت يوما بعد يوم حتى لتُصبح يومًا ما شجرةً طيبة تؤتى أكُلَها كلَّ حين بإذن ربها.

        عجزت زلفى عن طرد هذه الحقائق. هي ضعيفة أمام الخالق القهّار الذي بثّ في قلبها بذورا ثم أنبتها حُبًّا. أرادت هي أن تفرّ من دنيا العشق التي ـ على رأيها ـ توسوس لها في ممارسة آمالها الدراسية، بجانب أن أنوثتها تتطلّب إلى من يحمي نفسها ويرعى حرمتها ويحلّ مشكلتها. وصاحت غريزتها كل حين. إن مَثَلها كمثل سفينة تحتاج إلى مرفأ ترسو فيه كل وقت شاءت.

        هي متحيرة. في قلبها حرب عظيمة بين الحب والآمال، بين العِشق والمستقبل، بين إفشاء هذه الصيحة الودية إلى الأستاذ مجدي وكتْمها في أعماق قلبها.

        غرقت زلفى في حوض الخيال والفكر. ورثت نفسَها الملقاة في دنيا الحيرة. وصمّمت أحيانا أن تعبّر ما خطر ببالها من حبّ صادق وعشق ملتهب إلى الذي يطلع في حلمها كل حين، ألا وهو الأستاذ مجدي. ولكن لا طاقة لها لذلك. لأنها امرأة ضعيفة. لأنها امرأة شرقية. حرّمت لها تقاليدُها الشرقية أن تعبّر ما لها من حب رغم عمقها لرجل لم يعبّر لها حبَّه من قبل. وما هي إلا منتظرة. فتراكمت أسئلة وفيرة لا يستطيع على إجابتها إلا الأستاذ مجدي. أيحبها كحبها إياه؟ أو يحبها كحب أب لابنته؟ وهل قلبه جامد لا يسع لأي بذر من الحُب أن ينبت فيه؟ والذي تعرفه أن الأستاذ مجدي يهتمّ بها كل الاهتمام. إنه أستاذ فريد لا مثيل له عندها في الذكاء والرحم والأبوّة.

        وقفت جولة خيالها في هذا الحد. ووجدت أن دنياها مظلمة. وفى هذه الحيرة قرّرت زلفى أخيرا ـ رغم ألمها ـ أن تكتم حبها الخالص في قعر قلبها. ثم سجّلت في ركن آخر من هذا القلب الأليم لمحة تاريخية من حبها المكتوم. سجّلتها فيه بدمع من الحزن والكآبة ولن تنساها هي إلى يوم يبعثون.

        حاولت زلفى أحيانا أن ترمي كل هذه الكآبة إلى حيث لا يعرفها أحد. فكتبت قصائد تعبيرا عن خيالها المرير. ومن قصائدها ما كتبته على غلاف كراسة الإنشاء التي لاحظها الأستاذ مجدي كل يوم الجمعة راجيةً أن يقرأها فيتحرك قلبُه. قالت فيها،

وَمِنَ اْلعَجَائِبِ وَاْلعَجَائِبُ جَمَّـةً  #  قُرْبُ اْلحَبِيْبِ وَمَا إِلَيْهِ اْلوُصُوْل

كَاْلِعيْشِ فِي اْلبَيْدَاءِ يَقْتُلُهَا الظَّمَأ #  وَالْمَاءُ عَلَى ظَهْرِهَا مَحْمُوْلُ

(يتبع)

Leave A Reply

Your email address will not be published.